أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

304

العقد الفريد

قال : حريث بن حسّان الشّيباني ، وافد بكر بن وائل عاويا ذا صياح . فقالت أختي : الويل لي ، لا تخبرها فتتبع أخا بكر بن وائل بين سمع الأرض وبصرها ، ليس معها أحد من قومها . قال : لا ذكرته . قالت : وسمعت ما قالا : فغدون إلى جملي فشددت عليه ، ثم نشدت عنه فوجدته غير بعيد . فسألته الصّحبة فقال : نعم وكرامة ، وركابه مناخة عنده . قالت : فسرت معه صاحب صدق ؛ حتى قدمنا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يصلي بالناس صلاة الغداة : قد أقيمت حين شق الفجر ، والنجوم شابكة في السماء ، والرجال لا تكاد تعارف من ظلمة الليل ؛ فصففت مع الرجال ؛ وأنا امرأة قريبة عهد بجاهلية ؛ فقال الرجل الذي يليني من الصف : امرأة أنت أم رجل ؟ فقلت : لا بل امرأة . فقال : إنك كدت تفتنيني ، فصلّي في النساء وراءك . فإذا صفّ من نساء قد حدث عند الحجرات لم أكن رأيته إذ دخلت ؛ فكنت فيهن ؛ حتى إذا طلعت الشمس دنوت ؛ فجعلت إذا رأيت رجلا ذا رواء وذا قشر « 1 » طمح إليه بصري لأرى رسول اللّه فوق الناس ، حتى جاء رجل ؛ فقال : السلام عليك يا رسول اللّه . فقال : وعليك السلام ورحمة اللّه . وعليه تعني النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - أسمال ملّيتين ، كانتا مزعفرتين وقد نفضتا ؛ ومعه عسيّب نخلة مقشوّ « 2 » غير خوصتين من أعلاه : وهو قاعد القرفصاء . فلما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم متخشّعا في الجلسة أرعدت من الفرق ، فقال جليسه : يا رسول اللّه ، أرعدت المسكينة . فقال رسول اللّه ، ولم ينظر إلي وأنا عند ظهره : يا مسكينة ، عليك السكينة . قالت : فلما قالها صلّى اللّه عليه وسلّم أذهب اللّه ما كان دخل في قلبي من الرعب . وتقدّم صاحبي أول رجل فبايعه على الإسلام عليه وعلى قومه ، ثم قال : يا رسول اللّه ، اكتب بيننا وبين تميم كتابا بالدّهناء لا يجاوزها إلينا منهم إلا مسافر أو مجاوز .

--> ( 1 ) القشر : اللباس . ( 2 ) مقشوّ : أي مقشور عنه خوصه .